أحمد مصطفى المراغي
178
تفسير المراغي
المعنى الجملي بعد أن أمر سبحانه بالقسط في اليتامى والنساء في سياق الاستفتاء فيهن ، لأن حقهن آكد وضعفهن معهود - عمم الأمر هنا بالقسط بين الناس ، لأن قوام أمور الاجتماع لا يكون إلا بالعدل ، وحفظ النظام لا يتم إلا به وبما فيه من الشهادة للّه بالحق ولو على النفس والوالدين والأقربين وعدم محاباة أحد لغناه أو لفقره ، لأن العدل مقدم على حقوق النفس وحقوق القرابة وغيرها ، وقد كانت سنة الجاهلية محاباة ذوى القربى ، لأنه يعتزّ بهم كما كانوا يظلمون النساء واليتامى لضعفن وعدم الاعتزاز بهن . الإيضاح ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ) القوام : هو المبالغ في القيام بالشيء والإتيان به مستوفيا تاما لا نقص فيه ، وقد أمر اللّه بإقامة الصلاة وإقامة الشهادة وإقامة الوزن بالقسط تأكيدا للعناية بهذه الأشياء . أي فلتجعلوا العناية بإقامة القسط على وجهه صفة ثابتة لكم راسخة في نفوسكم ، والعدل كما يكون في الحكم بين الناس ممن يوليه السلطان أو يحكّمه الناس فيما بينهم ، يكون في العمل كالقيام بما يجب بين الزوجات والأولاد من النّصفة والمساواة بينهم ، ولو سار المسلمون على هدى القرآن لكانوا أعدل الأمم وأقومهم بالقسط ، وقد كانوا كذلك ردحا من الدهر حين كانوا مهتدين بهديه ، ولكن قد خلف من بعدهم خلف نبذوا تلك الهداية وراء ظهورهم فصارت تضرب بهم الأمثال في ظلم حكامهم وسوء أحوالهم . ( شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ) أي كونوا شهداء للّه بأن تتحرّوا الحق الذي يرضاه ويأمر به من غير مراعاة أحد ولا محاباته ، ولو كانت الشهادة على أنفسكم بأن يثبت بها الحق عليكم ( ومن أقر على نفسه بحق فقد شهد عليها ،